ظاهرة الانحياز الاعلامي الغربي

اذهب الى الأسفل

ظاهرة الانحياز الاعلامي الغربي

مُساهمة من طرف المجتبى في الجمعة ديسمبر 04, 2009 8:08 pm

كما توضح هذه الدراسات أن ضيق نطاق التعددية والتنوع في وسائل الإعلام - نتيجة للاحتكار الغربي لهذه الوسائل، والاحتكار الرأسمالي (الشركات متعددة الجنسيات) على مستوى المجتمعات الغربية –يؤدي إلى عدم قدرة الشعوب والحضارات على الحوار الحر على مستوى العالم، وعدم قدرة الاتجاهات السياسية والفكرية على الحوار داخل المجتمعات الغربية، وإجراء المناقشة الحرة، وهو ما يقلل من كفاءة العملية الديموقراطية في المجتمع، ويقلل من قدرة الجماهير على الاختيار الحر بين الأحزاب والاتجاهات السياسية والفكرية.

ولكن ما دلالة هذا المصطلح؟، وما تعريف التحيز؟ حتى الآن فإن هذا المفهوم لا يزال محل جدل، ولم يتم التوصل إلى تعريف يمكن الاتفاق عليه على الرغم من كثرة التعريفات التي قدمها الكثير من الباحثين، ويمكن أن نستعرض هنا عينة من هذه التعريفات هي:

1- تعريف هاكيت: الذي يعرف التحيز بأنه قيام الإعلامي أو المؤسسة الإعلامية بوضع رأي ذاتي داخل ما يعتبر أنه تقرير يقوم على الحقائق.

ويضيف هاكيت: إن التحيز يتضمن أيضاً سمتين آخرين:

أولاهما: نقص التوازن بين وجهات النظر المتعارضة في تغطية وسائل الإعلام.

وثانيهما: تشويه الواقع بشكل مقصود نتيجة لتأييد الإعلامي أو المؤسسة الإعلامية التي يعمل بها لطرف معين.

2- تعريف ستيفنسون وجرين: الذي يقوم على أن التحيز يعني الفشل في معاملة كل الأصوات في السوق الحرة بشكل متساوٍ.

3- تعريف ماكويل: الذي يعرف التحيز بأنه الميل إلى تفضيل أحد جانبي الصراع، ثم يستعرض عدداً من أشكال التغطية الإعلامية التي يظهر فيها التحيز على النحو التالي:

أ- تفضيل وجهة نظر معينة مع عرض الأدلة على صحتها.

ب- عرض الحقائق والتعليقات بشكل مقصود، ولكن بدون بيان يوضح تفضيل وجهة نظر على أخرى.

جـ- استخدام اللغة بشكل يؤدي إلى تلوين الحقائق، وإصدار حكم معين على أحد أطراف المناقشة أو الصراع.

وهذه الأشكال من التحيز لابد أن يتوفر فيها عنصر النية أو الوعي من جانب الكاتب أو المحرر، لكن هناك نوع آخر من التحيز هو التحيز غير المقصود، وهو ينتج من خلال القيم التي يتم من خلالها اختيار الأنباء وأساليب صياغتها.

ويرى رالف نجرين أن الأخبار يتم تلوينها، ولذلك فإن هناك تحيزاً لا يمكن تجنبه في اختيار الأنباء ونشرها، وتلعب عدد من العوامل دورها في تشكيل ظاهرة تحيز الأنباء، منها: روتين المؤسسات الإعلامية، والقيود المفروضة على عملية إنتاج المواد الإعلامية، بالإضافة إلى القيم الخبرية.

ويضيف نجرين: إن بعض التحيز لا يمكن تجنبه إذ إن الصحفيين مثل أي شخص يحملون قدراً من الأفكار الأيديولوجية، ولذلك فإنهم لا يستطيعون أن ينقلوا ويصفوا الأحداث بشكل يعتمد على الحقائق فقط (1) .

وعلى الرغم من أن هناك الكثير من التعريفات والمناقشات حول مفهوم التحيز وأشكاله، إلا أن هذا المفهوم لا يزال يحتاج إلى المزيد من المناقشة لزيادة وضوحه، ولكن يمكننا أن نحدد ما يلي:

1- إننا نعرف التحيز بأنه يعني: عدم القدرة على تحقيق الموضوعية والعدالة والحياد، ومعاملة الطرفين في قضية محل جدل أو صراع بشكل يتسم بالمساواة، ويرتبط هذا المفهوم ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم أخرى، هي استخدام معايير مزدوجة Dichotmy أو Double Stan dards واستخدام الصورة النمطية Stereotypes ، أو إنتاج هذه الصورة بالإضافة إلى تحريف المعلومات أو تشويهها Distortion واستخدام اللغة بشكل يؤدي إلى إصدار أحكام معينة بإدانة أطراف معينة في صراع أو جدل.

2- هناك نوعان من التحيز:

أ- التحيز المقصود: وينتج عن تأييد المؤسسة الإعلامية لأحد جانبي الصراع أو المناقشة، ولذلك فإنها تعطى بشكل مقصود مساحة أكبر على صفحة الصحيفة التي تصدرها، أو وقتاً أطول من إرسالها في محطات الإذاعة وقنوات التليفزيون لهذا الجانب، أو أن تقوم المؤسسة الإعلامية بالتركيز على الأخبار السيئة عن أحد طرفي الصراع بهدف تشويه صورته.

ب- التحيز غير المقصود: وينتج عن تبني وسائل الإعلام القيم الخبرية التي تطورت في الغرب، وهو ما يجعل هذه المؤسسات تركز على نشر وإذاعة أخبار دول النخبة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا الغربية بالإضافة إلى إسرائيل، كما تركز على نشر أخبار الأفراد النخبة في المجتمع، من الرأسماليين. كما أن هذه القيم الخبرية الغربية تجعل المؤسسات الإعلامية تركز على الأخبار السيئة، خاصة عن الدول التي لا تنتمي للنخبة الدولية، وهي دول الجنوب.

كما أن هذا النوع من التحيز يمكن أن ينتج عن الاعتماد المكثف على مصادر الأخبار التي تنتمي إلى أحد جانبي الصراع، كما أنه ينتج أيضاً عن روتين المؤسسات الإعلامية.

3- يمكننا أيضاً أن نميز بين التحيز في مجال الأخبار، والتحيز في مواد الرأي مثل الافتتاحيات والمقالات والأعمدة... إلخ، ففي مجال الأخبار من المحتمل أن يكون التحيز أحياناً غير مقصود، ولكن ذلك لا ينفي إمكانية أن يرتب المحرر الحقائق، أو يستخدم مصطلحات يمكن أن تلون الحقائق لكي تعطي تأثيراً معيناً لصالح أحد أطراف الجدل أو الصراع.

أما في مجال مواد الرأي فإن التحيز يكون مقصوداً، فالكاتب أو المحرر يقدم رأيه، ومن حقه أن ينحاز إلى أي طرف من أطراف الصراع أو الجدل، وإن كانت العدالة قيمة علياً من الضروري الحرص عليها.

4- ينتج عن التحيز ظاهرتان هما: نقص المعلومات التي تقدم للجماهير Disinformation عن الأحداث والقضايا والصراعات الداخلية والدولية، وهو الأمر الذي يزيد من حدة تأثير الصور النمطية التي تقدمها وسائل الإعلام إلى الجماهير... ويؤدي هذا بالضرورة إلى الظاهرة الثانية وهي إساءة تقديم المعلومات أو التضليل الإعلامي Misinformation والذي ينتج عنه اتخاذ المواطنين لقراراتهم بناء على ما تحدده المؤسسات الإعلامية، وما تقدمه للجماهير من معلومات، وأساليبها في تقديم هذه المعلومات، هذا بالإضافة إلى التأثير على صناع القرار لتأتي قراراتهم متوافقة مع مصالح أطراف معينة في الصراع أو الجدل، كما تقوم المؤسسات الإعلامية بتبرير هذه القرارات والترويج لها.

5- إنه من الصعب قياس التحيز بشكل دقيق، فالتحيز مفهوم نسبي، وما يمكن أن يعتبر تحيزاً من وجهة نظر معينة، يمكن أن يعتبر موضوعياً ومحايداً من وجهة نظر أخرى، لكن هذا الوعي بنسبية المفهوم لا يعني عدم صلاحيته للاستخدام في مجال الدراسات الأكاديمية، بل إن الوعي بهذه النسبية يسهم في ترشيد استخدامه في هذه الدراسات، والنسبية على أية حال من سمات العلوم الإنسانية جميعها.

6- إن التحيز يمكن أن يوجد على مستوى المجتمع، حيث تتحيز وسائل الإعلام للوضع الراهن ضد التغيير، أو لحزب ضد أحزاب أو اتجاهات سياسية أخرى، أو للسلطة ضد قوى المعارضة، كما أن هذا التحيز يمكن أن يكون ضد جماعات إثنية أو دينية.

ويمكن أن يظهر هذا التحيز ضد دول أو شعوب أخرى على المستوى الدولي خاصة عندما يكون هناك قدر من العداء بين هذه الدولة والدولة التي تنتمي إليها المؤسسة الإعلامية، وفي هذا النوع يتم تشويه صور الدول والشعوب التي تعتبر معادية بشكل مقصود، ويتم تحريف الحقائق واستخدام الكلمات التي تحمل إيحاءات ودلالات تؤدي إلى إثارة الكراهية لهذه الدول، أو الشعوب أو حتى الديانات كما يحدث بالنسبة للإسلام في وسائل الإعلام الغربية.

أهداف الدراسة

لذلك فإن هذه الدراسة تسعى إلى:

1- دراسة ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية، وتطور هذه الظاهرة.

2- دراسة الارتباط بين ظاهرة التحيز والصورة النمطية التي تروجها وسائل الإعلام الغربية للإسلام.

3- تفسير ظاهرة تحيز وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام والمسلمين.

4- رسم استراتيجية لمواجهة ظاهرة تحيز وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام.

من خلال هذه الأهداف يمكن تحديد التساؤلات التي تسعى الدراسة للإجابة عليها كما يلي:-

1- كيف تطورت ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

2- ما مدى تأثير ظاهرة التحيز على صورة الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

3- ما العوامل التي تشكل ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

4- كيف نواجه ظاهرة تحيز وسائل الإعلام الغربية ضد الإسلام؟.

مناهج الدراسة

تم الاستفادة من عدد من المناهج بشكل تكاملي لرصد ظاهرة التحيز بشكل عام ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية، ومن أهمها: منهج المسح الإعلامي الذي استخدم لتوصيف الظاهرة من خلال الدراسات السابقة، وهذه الدراسات ركزت بشكل أساسي على توصيف صورة العرب، والعلاقة بين هذه الصورة والصراع العربي الإسرائيلي دون استخدام مدخل التحيز.

كما استفادت الدراسة من منهج تحليل النظم لدراسة العوامل التي شكلت ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

وانطلقت الدراسة من ذلك إلى محاولة تفسير ظاهرة التحيز.

وفي بعض جوانب هذه الدراسة تم استخدام المنهج التاريخي بغرض رصد تطور الظاهرة، والصورة النمطية الناتجة عنها.

الدراسات السابقة

هناك الكثير من الدراسات السابقة التي ركزت على دراسة صورة العرب في وسائل الإعلام الغربية، وربطت ذلك بالصراع العربي الإسرائيلي، وهي دراسات ركزت بشكل أساسي على توصيف الصورة العربية النمطية في وسائل الإعلام الغربية، ولكن دون ربط هذه الصورة بصورة الإسلام والمسلمين، وذلك فيما عدا دراسة إدوارد سعيد: تغطية وسائل الإعلام الغربية للإسلام.

Said-E, Covering Islam, (London: Routledge and kegan Paul, 1981.

وهذه الدراسات ركزت على الوصف دون التفسير، ولذلك فإن هذه الدراسة تنطلق من التراث العلمي المتراكم، لكنها تتجاوزه في استخدام ظاهرة التحيز في دراسة صورة الإسلام والمسلمين، ثم تقدم محاولة للتفسير، ومع ذلك فإن هذه الدراسة هي جزء من دراسة أكبر يقوم الباحث بإنجازها الآن، ولذلك فإنه لابد من النظر إليها في هذا الإطار، إذ أنها لا تعدو أن تكون مجرد اختصار لعمل أكبر وأشمل.

تقسيم الدراسة

تم تقسيم هذه الدراسة كما يلي:

المقـدمـة:

وتشمل تعريف ظاهرة التحيز في وسائل الإعلام الغربية وأشكال التحيز، والجوانب الإجرائية المنهجية للدراسة.

المبحث الأول:

تطور ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

المبحث الثاني:

محاولة التفسير ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية.

الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج ... واستراتيجية المواجهة.
المبحث الأول
تطور ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية


أوضحت الكثير من الدراسات أن القساوسة ورجال الدين المسيحي قد قاموا بالدور الرئيسي في تعبئة شعوب أوروبا خلال الحروب الصليبية لشن حرب على الإسلام والمسلمين، وركز خطابهم في هذه المرحلة على إثارة المشاعر الدينية للشعوب الأوروبية، ولذلك تم التركيز في هذا الخطاب الدعائي على أن المسلمين كفار Infidels وروجوا للكثير من الأكاذيب التي كان محورها أن المسلمين يقتلون الحجاج المسيحيين، ويمنعونهم من الحج إلى الأماكن المقدسة.. إلخ، ونجح القساوسة في حملتهم حتى استطاعوا التأثير في مراكز صنع القرار المتمثلة في تلك الحقبة في الملوك والإقطاعيين، وإشعال الحروب الصليبية.

إن دراسة هذه التجربة التاريخية تثبت حقيقة أن الحرب تبدأ أولاً في عقول البشر عن طريق خلق صورة سلبية شريرة للعدو، تخلق لدى الناس قناعة بأهمية الحرب وضرورتها ونبل أهدافها، وتتيح للمحارب قدراً من راحة الضمير وهو يرى دماء بشر مثله تتدفق أمام عينيه، وفي الوقت نفسه خلق صورة إيجابية عن الذات تقوم على أنه يحارب من أجل الحق، ولتحقيق أهداف نبيلة. وعندما تتحقق هاتان الصورتان في ذهن الإنسان فإنه يكون على استعداد لخوض الحرب، ولقتل من يعتقد أنهم أعداؤه.

ولقد أنتج القساوسة في أوروبا في هذه الفترة، بالإضافة إلى مجموعات من الكتّاب والأدباء والشعراء تراثاً تضمن الكثير من الصور السلبية للمسلمين وللإسلام، ظلت حتى الآن تؤثر على العقلية الأوروبية، وتدفعها في اتجاه العداء للإسلام، ولا يزال هذا التراث يدرّس في المدارس والجامعات الأمريكية.

كما أثارت الفتوحات العثمانية في أوروبا الخوف الشديد من الإسلام، وأدت إلى إنتاج تراث شكّله أيضاً القساوسة، يقوم على رسم صورة مخيفة للمسلمين من أهم سماتها أنهم متعطشون للدم، ويشكّلون تهديداً لأوروبا، وأن الإسلام يفرض عقوبات قاسية على بعض الجرائم مثل السرقة.(2)

ويلاحظ على الخطاب الديني والأدبي الذي أنتج خلال فترات الحروب الصليبية أو الفتوحات العثمانية، أنه كان خطاباً دعائياً تبريرياً يهدف بشكل أساسي إلى إقناع المواطنين الأوروبيين بالحرب ضد المسلمين، وباستخدام الإثارة الدينية، وإثارة الخوف والكراهية.

ولكن إذا كان رجال الدين هم القائمون بالاتصال خلال فترة الحروب الصليبية، فإن الصحفيين أصبحوا هم القائمون بالاتصال بشكل أساسي خلال الموجة الاستعمارية الأوروبية التي بدأت بالحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي تزايدت حدتها خلال القرن التاسع عشر، وقام الصحفيون والصحف الأوروبية بحملة إعلامية ضخمة، استهدفت تهيئة العقل الأوروبي وتعبئة الشعوب الأوروبية لشن هذه الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي.

وكان المبرر الدعائي الذي قدمته الصحافة الأوروبية للعقل الأوروبي كي يقتنع بضرورة استعمار أوروبا لآسيا وأفريقيا، هو رسالة الرجل الأبيض في تمدين البشرية أو الشعوب المتخلفة، وكان هذا نتاجاً طبيعياً لتحول أوروبا إلى العلمانية. ولتكريس هذا المبرر في الذهن الأوروبي، قامت الصحافة بتقديم صورة نمطية لشعوب آسيا وأفريقيا على أنها شعوب متخلفة، يعيشون كالوحوش وعرايا، وتم التركيز في بعض الأحيان على قضية الرق Slavery، بشكل أساسي لإقناع الإنسان الأوروبي بأنه يقوم بمهمة نبيلة لتحرير البشرية.

ولذلك فإن خطاب القرن التاسع عشر، والذي ظل سائداً حتى منتصف القرن العشرين قد ركّز بشكل أساسي على عنصرين أساسيين هما: إثارة الاحتقار بالنسبة لشعوب آسيا وأفريقيا بشكل عام، وللمسلمين بشكل خاص، ورسم صورة الذات بالنسبة للمستعمر الأوروبي بشكل يقوم على الاستعلاء العرقي، حيث يوضّح كتاب لورد كرومر "مصر الحديثة" العناصر الأساسية لخطاب الاستعمار الغربي، حيث عكس هذا الخطاب صورة نمطية للمسلم تقوم على أنه إنسان عاجز، أدنى من الإنسان الغربي، مسجون داخل شخصيته الجامدة وتقاليده غير القابلة للتطور، وأن المعارضة العربية للسيطرة الغربية تأتي من عقدة الدونية للثقافة العربية.(3)

كما يوضّح هذا الخطاب الغطرسة الاستعمارية الغربية والشعور بالتفوق والاستعلاء العرقي الذي ساد خطاب المستعمر صاحب القوة في تلك الفترة.

وجاء اختراع السينما ثم تحولها إلى صناعة ضخمة ليقوم بدور أساسي في تقديم صورة نمطية للمسلمين، وتثبيت هذه الصور في الذهن الغربي، ومن خلال الكثير من الأفلام تم استدعاء المخزون التاريخي في العقل الغربي خلال الحروب الصليبية، والفتوحات العثمانية بالإضافة إلى الخطاب الاستعماري، وإعادة تقديمه والإلحاح على التذكير به، ولذلك يمكن أن نرصد الكثير من الأفلام التي تركّز على إثارة الخوف باستخدام الحروب الصليبية بشكل أساسي، وأيضاً الكثير من الأفلام التي تهدف إلى إثارة الاحتقار، وفي بعض الأحيان تم الجمع بين عناصر الخطابين في أفلام الحروب الصليبية، على الرغم من أن بعض القصص الأصلية لا تتضمن هذه الصورة المشوّهة، ومع ذلك تم إعادة إنتاجها مع تحريفها، وتحويل صورة الفرسان المسلمين في الحروب الصليبية إلى صورة القراصنة الذين لا يحاربون من أجل هدف، ويصحبون الحريم والراقصات في معسكراتهم، وأن صلاح الدين كان الهدف الأساسي لحروبه هو عشقه لفتاة غربية بيضاء... الخ.

إن دراسة تطور السينما الغربية يكشف بوضوح أنها قد قامت بدور أساسي في تشكيل الصورة النمطية للمسلمين، والترويج لهذه الصورة، وتغيير بعض سماتها طبقاً لتغيير الظروف، والترويج لسمات جديدة بشكل يرتبط بتطور الأحداث السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن تصوير بعض الدراسات لهذا النهج الذي اتبعته السينما الغربية بأنه يأتي لتحقيق أهداف تجارية، والبحث عن عناصر التشويق والتسلية – هو تصوير لا يمكن قبوله أو التسليم به، ذلك أن الصورة النمطية التي تشكلها السينما الغربية وتروجها تؤثر بشكل كبير على عملية صنع القرار في الدوائر السياسية والاقتصادية، وأن تأثيراتها السياسية والاقتصادية والثقافية تتجاوز بشكل كبير تلك الأهداف التجارية. فهذه الصورة النمطية قد أصبحت جزءاً من الثقافة الأمريكية والأوروبية، ولها تأثيرها على السياسات الأمريكية. (4)

وجاء اختراع التليفزيون بإمكانياته الهائلة؛ ليؤدي إلى مزيد من التكريس والتثبيت للصورة النمطية التي سبق أن روّجت لها الصحافة والسينما للإسلام والمسلمين، كما قام التليفزيون بدور كبير في تشويه هذه الصورة وتنميطها بحيث أصبحت تُستدعى تلقائياً عند ذكر الإسلام والمسلمين، وتثير الكثير من مشاعر العداء نحوهما.

يضاف إلى ذلك أن التعليم في المدارس قد قام بدور في عملية تكريس الصورة النمطية للمسلمين، وعلى سبيل المثال، فقد قام عياد القزاز بدراسة للكتب المدرسية في الولايات المتحدة الأمريكية، استخدم فيها أسلوب تحليل المضمون، وأثبتت هذه الدراسة أن هذه الكتب المدرسية تتضمن الكثير من البيانات الخـاطئة والمضللة عن الإسلام، وأنها أسهمت في ترويج صورة نمطية مشوّهة عن الإسلام.(5)

إن دراسة صورة الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، توضّح أيضاً أن سمات هذه الصورة ليست ثابتة، ولكن يتم الإضافة إليها طبقاً للأحداث السياسية، ومن أهم هذه الأحداث:

الصراع العربي الإسرائيلي: ارتبط التحيز الأمريكي والغربي بشكل عام لإسرائيل بتحيز وسائل الإعلام الغربية لإسرائيل ضد العرب، وبالتالي تم إضافة سمات جديدة للصورة النمطية بهدف إقناع المواطنين الغربيين بالتأييد المطلق لإسرائيل، وإثارة الخوف والكراهية والعداء والاحتقار للعرب والمسلمين.

كما حمل الخطاب الغربي في هذه القضية – الذي تم الترويج له عبر وسائل الإعلام – الكثير من المبررات للسياسات الغربية المؤيدة لإسرائيل.

وفي المقابل تم الترويج لصورة إيجابية لإسرائيل، ومن الواضح أنه كان هناك ارتباط وتلازم بعد عام 1948، بين صورة سلبية مشوّهة للإسلام، وبين صورة إيجابية للإسرائيليين كان من أهم سمات الصورتين المتناقضتين للعرب والإسرائيليين ما يلي:

1- إسرائيل هي الطرف الضعيف في الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد استطاعت أن تنتصر على العرب الشواذ كثيري العدد، وذلك بسبب شجاعة الإسرائيليين وذكائهم وكفاحهم... وتم الترويج لهذه السمة بشكل واسع عقب 5 يونيو 1967.

2- إن الفلسطينيين لم يتم طردهم من أرضهم عام 1948، وأن اليهود قد حثوهم على البقاء، ولكنهم تركوا أرضهم بإرادتهم الحرة، وبناءً على نصيحة العرب الآخرين لهم.

3- إن الإسرائيليين قد جعلوا الصحراء تزدهر، بينما ترك العرب فلسطين قاحلة.

4- إن الصهيونية فلسفة تحررية ليبرالية، لذلك فهي تستحق المساعدة من هؤلاء الذين يحبون الحرية في كل أنحاء العالم.

5- العرب معادون للسامية، ولذلك يكرهون اليهود.(6)

وقد أنتجت الصورتان المتناقضتان للعرب والإسرائيليين تأثيرهما على الجماهير، ففي استطلاع أجرته جامعة كمبردج على عينة من الأمريكيين، طلبت فيه من أفراد العينة تحديد ما إذا كانت الكلمة تنطبق بشكل أكثر على الإسرائيليين أو العرب، جاءت النتائج تؤكد أن أغلبية أفراد العينة ألصقت الصفات السلبية بالعرب مثل: (جبان – متخلف – جاهل – جشع – فقير – بربري)، وفي الوقت نفسه نسبت جميع الصفات الإيجابية للإسرائيليين مثل: (مسالم – أمين – ذكي – ودود – يشبه الأمريكيين – معتدل – متطور). بالإضافة إلى ذلك، فقد أثبتت الكثير من الدراسات تحيز وسائل الإعلام الغربية بشكل عام لإسرائيل ضد العرب، وأن المعلومات التي تقدمها هذه الوسائل للمواطن الغربي هي معلومات ناقصة، وأنه يتم حذف الكثير من المعلومات التي يمكن أن تسيء إلى إسرائيل، بالإضافة إلى الاعتماد المكثّف على المصادر الإسرائيلية، وفي إطار هذه العمليات تحدث أكبر عملية تضليل إعلامي تستخدم فيها الصور النمطية، ويتم من خلالها تكريس هذه الصور وتثبيتها.

ومن هنا كان للصراع العربي الإسرائيلي عامل مهم في تشكيل صورة المسلمين بشكل عام، مع إضافة سمات جديدة لهذه الصورة.

كان أيضاً لاستخدام العرب للبترول بشكل ناجح خلال حرب عام 1973، دور مهم في إضافة سمات أخرى لصورة استهدفت إثارة الخوف من السيطرة العربية على المصادر البترولية، والتحكم في إمدادات البترول للدول الغربية، وأنهم يستخدمون البترول كوسيلة لابتزاز الغرب، وعلى سبيل المثال فقد أذاعت محطات التلفزيون الأمريكية في صيف عام 1980، إعلاناً يصوّر مجموعة من الشخصيات التي ترتدي الزي العربي التقليدي (الجلباب والعباءة)، على رأسهم يماني والقذافي وعرفات وحافظ الأسد، وأضيف إليهم الخوميني، ولم يذكر التلفزيون أسماء هذه الشخصيات، لكن قال إن هؤلاء يتحكمون في المصادر الأمريكية من البترول، وكان يكفي أن يظهر هؤلاء بزيهم ليتعرف عليهم المتلقي وليثير مظهرهم مشاعر الغضب والخوف والكراهية.(7)

وعندما جاءت الثورة الإيرانية زاد تركيز خطاب وسائل الإعلام على عناصر إثارة الخوف، والكراهية، والتأكيد على أن الإسلام يمثل تهديداً للمصالح الغربية، وقد أثر هذا الخطاب بشكل كبير على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، وأدى ذلك إلى طرح فكرة إعادة احتلال الدول الإسلامية، وظهرت الكثير من الكتب التي طالبت بذلك، وتبرر هذه الدعوة بالإشارة إلى بربرية الإسلام، وأنه يمثل تهديداً للحضارة الغربية، وكان من هؤلاء جـ. ب. كيلي – أستاذ تاريخ الاستعمار بجامعة وسكونسن الذي يطالب بغزو العالم الإسلامي من جديد، ويعلن الاحتقار للثقافة الإسلامية.(Cool

كما جاء انهيار الشيوعية التي مثّلت خلال فترة الحرب الباردة العدو الرئيس للرأسمالية الغربية؛ ليفرض على الدول الغربية بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص ضرورة البحث عن عدو، لذلك فقد عمدت دوائر صنع القرار في الغرب، وتبعتها في ذلك وسائل الإعلام إلى استخراج العدو الإسلامي من المخزون التاريخي الثقافي الغربي، وتقديمه إلى الشعوب باعتباره يمثل الخطر الذي يهددها، ويهدد الحضارة الغربية.

لكن مع ذلك فإن هناك الكثير من الأدلة على أن فكرة تقديم العدو الإسلامي لم يكن نتيجة لانهيار الشيوعية، بل إنه خلال عام 1979، كان مستشار الرئيس الأمريكي للسياسة الداخلية ستيوارت ايزنستات قد حث الرئيس الأمريكي على العمل بخطوات قوية على تعبئة الأمة الأمريكية حول أزمة حقيقية وضد عدو واضح.

يضاف إلى ذلك أن السينما الأمريكية قد سبقت التفكير الغربي في تقديم الإسلام على أنه العدو، ومن الأمثلة على ذلك أنه في عام 1985م، ظهر الجزء الأول من فيلم (النسر الحديدي Iron Eagle)، والذي حظى بدعم الحكومة الإسرائيلية التي أمدت القائمين عليه بطائرات فانتوم إف 16، ثم ظهر الجزء الثاني من هذا الفيلم عام 1988م، والذي اعتبر ظهوره بداية التغيير في علاقة دعم أمريكا للعراق خلال الحرب مع إيران، واتجاهها لضرب العراق.

كما شهدت الثمانينات الكثير من الأفلام التي تجسد صورة العدو العربي الخارق، الذي يمتلك أسلحة دمار شامل (نووية)، ولذلك يتدخل الأمريكي الطيب لحماية البشرية منه، وهذا يعني أن المواجهة بين الأمريكي الطيب والشيوعي الشرير، قد تحولت إلى مواجهة مع العربي الشرير منذ بداية الثمانينيات.

هذا بالإضافة إلى أن وسائل الإعلام الغربية قد ظلت تثير المخاوف من الإسلام بشكل عام، مما يؤكد أنها استراتيجية ثابتة لهذه الوسائل، ومن ثم فإن انهيار الشيوعية لم يؤد إلى تقديم الإسلام والمسلمين كعدو، ولكنه أدى إلى تركيز وسائل الإعلام على تقديمه كعدو وحيد.

إن وجود عدو أو خطر خارجي عادة ما يقوم بدور أساسي في زيادة تماسك المجتمعات، واتجاهها إلى تحقيق المزيد من الإنتاج والإبداع في محاولة للدفاع عن ذاتها، وعندما لا يوجد هذا العدو، فإن هذه المجتمعات غالباً ما تتجه إلى المزيد من طلب الرفاهية، والتمتع بالحياة، كما تظهر الكثير من التناقضات الحادة الناتجة عن القضايا المؤجلة في فترات وجود العدو الخارجي.

يضاف إلى ذلك أن الغرب يمر بحالة من عدم اليقين تجاه المستقبل، وهناك شعور قوي بأن الحضارة الغربية تتعرض للكثير من المشكلات التي يمكن أن تؤدي إلى ضعفها أو إلى انهيارها في المستقبل، لذلك فإنه يظل في حاجة لعملية تعبئة مستمرة للرأي العام ضد عدو خارجي.. ومن هنا ظهرت فكرة صراع الحضارات التي تمت صياغتها في الولايات المتحدة الأمريكية، منذرة بأن الحرب العالمية الثالثة يمكن أن تقع بين الحضارة الغربية من جانب، والحضارة الإسلامية من جانب آخر.

ومن هنا فإن فكرة العدو الخارجي تهدف بشكل أساسي لحل مشكلات داخلية في الغرب لكن مع ذلك فإن من يتابع وسائل الإعلام الغربية يلاحظ بوضوح أن هذه الوسائل تمهد وتهيء العقل الغربي، وتعبئ الشعوب الغربية لموجة استعمارية غربية جديدة للعالم الإسلامي.

وإذا كان المبرر الذي قدمته الصحافة في القرن التاسع عشر للموجة الاستعمارية الغربية في ذلك الوقت هو رسالة الرجل الأبيض في تمدين البشرية فإن المبررات الجديدة التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية هي حماية حقوق الإنسان، وحماية الديموقراطية وحماية العالم من الإرهاب، وحماية العالم من الأصولية الإسلامية، وحماية مصادر البترول.

لذلك فإن الاستراتيجية الجديدة تقوم على تقديم صورة نمطية أكثر تقدماً، وهي تجمع كل تلك السمات السلبية التي تطورت عبر التاريخ إلى جانب سمات جديدة تهدف بشكل أساسي إلى إثارة الخوف والرعب، وبالتالي إثارة الكراهية والرغبة في الانتقام.

وتستخدم وسائل الإعلام الغربية التركيز على بعض الأحداث مع المبالغة في تصويرها مثل حادت تفجير مرز التجارة العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية، لتكرس مشاعر الخوف والعداء والكراهية. وفي الوقت نفسه يستمر التأكيد على السمات القديمة للصورة والتي تستهدف بشكل أساسي إثارة الاحتقار للشخصية الإسلامية مع التركيز على الأحداث السيئة التي تتم داخل الدول الإسلامية، خاصة أحداث المجاعات والحروب الأهلية. ومظاهر الإنفاق السفيه وغير ذلك.

بالإضافة إلى ذلك فإننا نلاحظ بوضوح أن الخطاب الغربي العلماني قد اجتمع مع الخطاب الديني الذي يعمل على إثارة المشاعر الدينية للمسيحيين في أوروبا وأمريكا.. وفي ذلك يقول إدوارد مورتيمر: أدى انهيار الشيوعية إلى حدوث نتيجتين:

الأولى: أن الغرب حرم من تعريف نفسه بمجرد تمايزه عن الآخر الشيوعي.

والثانية: أن الغرب اكتشف ما هو مشترك بينه وبين دول أوروبا الشرقية متمثلاً في الميراث الديني والحضاري، حيث أصبحت المسيحية عنصراً أساسياً في تعريف الوضع الأوروبي المستجد، فالعقل الأوروبي اتجه تلقائياً إلى تعريف نفسه من خلال التمايز عن غير المسيحيين، وما دام التعريف يتم أحياناً من خلال النقيض، وإزاء زوال التهديد السوفييتي، فقد وجد الغرب نفسه يتعامل مع نقيض بديل تمثل في الخطر الإسلامي، فهو الأقرب جغرافياً، ثم إن الذاكرة الشعبية والتاريخية للأوروبيين مسكونة بصورة عديدة من المعارك والاشتباك مع المسلمين.

لذلك فإن الصورة الحديثة التي تقدم للإسلام والمسلمين في الوقت الراهن تجمع بين كل السمات التي تم إنتاجها عبر الفترات التاريخية، سواء تلك السمات ذات الطابع الديني التي تم إنتاجها في عصر الحروب الصليبية، أو الفتوحات التركية، أو تلك التي تم إنتاجها خلال الموجة الاستعمارية الغربية خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.. مع إضافة سمات جديدة هي نتاج للأحداث التاريخية المختلفة كان من أهمها الإرهاب والتعصب الديني والأصولية، والعداء للديموقراطية وحقوق الإنسان والعداء للمرأة، وتهديد الحضارة الغربية والسيطرة على منابع البترول.

دعونا نتعرف على بعض سمات هذه الصورة من خلال ما كتبه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق (ريتشارد نيكسون)، في كتابه "انتهزوا الفرصة".

يقول نيكسون: "يميل كثير من الأمريكيين إلى وصف المسلمين بأنهم غير متحضرين، لا يغتسلون، بربريون، همجيون، وغير عقلاء، يجذبون اهتمامنا فقط لأن بعض قادتهم لديهم ثروة كبيرة، تحكم منطقة تحوي ما يزيد على ثلثي احتياطي النفط، وهم يتذكرون الحروب الثلاثة التي شنتها الدول العربية في محاولة لإبادة إسرائيل، واحتجاز الرهائن الأمريكيين على يد المغتصب آية الله الخوميني، والهجوم الإرهابي أثناء الألعاب الأولمبية في ميونيخ من قبل فدائيين فلسطينيين، والقتل الذي لا ينتهي وغير المعقول من قبل ميلشيات إسلامية متنافسة في لبنان، ونسف وتفجير طائرة ركاب مدنية على يد سوريا وليبيا، ومحاولة ضم الكويت على يد شبيه هتلر صدام حسين، ولا توجد دولة ولا حتى الصين الشيوعية، تحظى بصورة سلبية في الضمير الأمريكي كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي.

هذه هي بعض سمات الصورة، يمكن أن نراها بوضوح عبر ما تبثه الآلة الإعلامية الغربية، وهذه الصورة تقدم المبررات في أي وقت لضرب أية دولة إسلامية أو حتى إعادة احتلالها، دون وجود أي نوع من التعاطف معها، وهو ما يمكن أن يشهده المستقبل القريب.

أما الأخطر من ذلك فهو تأثير هذه الصورة النمطية السلبية على الإنسان المسلم نفسه، ذلك أن النظام الإعلامي الدولي الذي تسيطر عليه دول الشمال (أمريكا وأوروبا)، أصبح يتحكم فيما يتلقاه الإنسان في كل مكان، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الصورة على عقلية الإنسان المسلم نفسه وتفكيره وقراراته، فهي يمكن أن تشكل عقدة الدونية والشعور بالنقص والضعف أمام قوة الغرب، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الانتماء والولاء للإسلام وللوطن وسيادة الشعور بالانبهار بالغرب، وهذه المشاعر يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مستقبل الدول الإسلامية.
المبحث الثاني
محاولة لتفسير ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين في وسائل الإعلام الغربية




هناك الكثير من العوامل التي تشكل ظاهرة التحيز بشكل عام في النظام الإعلامي الدولي، وهناك عوامل تؤدي إلى تزايد ظاهرة التحيز بشكل خاص ضد الإسلام والمسلمين، وهذه العوامل لابد من دراستها بشكل كامل، بحيث يمكن أن تعطي تفسيراً متكاملاً، وسوف نقسم هذه العوامل كما يلي:-

أولاً: العوامل التي تشكل ظاهرة التحيز بشكل عام:

1- سيطرة دول الشمال على النظام الإعلامي الدولي:

أدت سيطرة دول الشمال على النظام العالمي الدولي إلى اختلال تدفق الأنباء على مستوى العالم، وتحكم دول الشمال على عملية التدفق، وهو ما أدى إلى زيادة سيطرة دول الشمال الغنية على دول الجنوب الفقيرة، كما تعرضت دول الجنوب الفقيرة بشكل عام لتشويه صورتها في وسائل الإعلام الغربية، كما تعرضت ذاتيتها الثقافية للتشويه أيضاً.

ولا شك أن هذا الوضع الاحتكاري الغربي كان تعبيراً عن الكثير من المظالم التي تعرضت لها دول الجنوب، وعن الاستغلال والنهب المنظم لثرواتها خلال الفترة الاستعمارية، وحتى الآن، وهو ما خلق الفجوة القائمة الآن بين دول الشمال والجنوب، وأدى إلى تبعية دول الجنوب لدول الشمال تبعية اقتصادية وثقافية وسياسية.

إن اختلال تدفق الأنباء في العالم المعاصر هو اختلال كمي نشأ عن التفاوت بين حجم الأنباء والمعلومات الصادرة عن العالم المتقدم، وحجم التدفق في الاتجاه المعاكس، حيث يصدر ما يقرب من 80% من تدفق الأنباء عن وكالات الأنباء الأربع الكبرى، غير أن هذه الوكالات لا تعطي لأنباء دول الجنوب إلا نسبة تتراوح بين 20 و 30% من تغطيتها الإعلامية، على الرغم من أن دول الجنوب تشكل ما يقرب من ثلاثة أرباع البشرية.

وفي الوقت نفسه فإن اختلال تدفق الأنباء في العالم المعاصر هو اختلال نوعي، حيث أن دول الشمال تحتل بشكل دائم مركز الاهتمام العالمي، في حين يتلاشى الاهتمام بأية قضايا تتعلق بشعوب العالم الأخرى.

ويمكن أن نرصد النتائج الكيفية التالية لاختلال تدفق الأنباء.

أ- فرض التصورات الغربية للقضايا العالمية على جميع الشعوب، وهو ما يؤدي إلى تزايد الظلم الواقع على هذه الشعوب، واستمرارية إدارة الدول الغربية للصراعات العالمية بما تحمله هذه الاستمرارية من تكريس لهيمنة الغرب وسيطرته واستغلاله للبشر.

ب- فرض التصورات الغربية للشعوب على العالم كله، وهذه التصورات تنتج من خلال خبرة الغرب التاريخية مع هذه الشعوب وصراعاته معها، وهو ما يجعل هذه الشعوب ضحية لصورة نمطية تم صكها في الغرب، وتحمل الكثير من التشويه لصورة شعوب آسيا وأفريقيا، وبالأخص الشعوب العربية والإسلامية.

جـ- فرض القيم الثقافية والأيديولوجية لدول الشمال الغنية على دول الجنوب الفقيرة، ومن المؤكّد أن هذه القيم الثقافية والأيديولوجية الغربية تتناقض مع طموحات الشعوب، وحقها في الحياة الكريمة وحقها في الاستقلال والحرية.

د- إن المضمون الإخباري القادم من دول الشمال يعكس دائماً استعلاء عرقياً غربياً يعمل على تكريس تصوّر يقوم على سيادة وتفوّق وقوة الولايات المتحدة الأمريكية وشرعية سيطرتها على العالم.(9)

ومن هنا، فإن النظام الإعلامي الدولي هو بذاته نظام متحيز، ومن الطبيعي أن يتزايد في ظله التحيز ضد شعوب دول الجنوب بشكل عام، والتحيز لدول الشمال الغنية التي تسيطر على هذا النظام.

2- النظام الغربي لوسائل الإعلام:

ويأتي داخل هذا النظام اقتصاديات وسائل الإعلام التي أدت إلى تزايد ظاهرة التركيز والاحتكار في ملكية وسائل الإعلام الغربية، وتناقص التعددية والتنوّع في وسائل الإعلام، وقد أوضحت الكثير من الدراسات تزايد ظاهرة التحيز في وسائل الإعلام الغربية خلال السبعينيات والثمانينيات، وهو ما تواكب مع تزايد سيطرة الشركات متعددة الجنسية على وسائل الإعلام، فقد دفعت هذه الشركات ما تسيطر عليه من وسائل إعلامية لتأييد الفلسفة الرأسمالية الغربية، والحفاظ على الوضع القائم، والتحيز ضد جميع الاتجاهات المعارضة لاستمرارية الأوضاع الراهنة.

كما عملت هذه الإمبراطوريات الإعلامية على تصوير جميع المشاكل التي تواجه المجتمع الرأسمالي على أنها تأتي نتيجة لأنشطة غير مشروعة، يقوم بها الخارجون عن النظام مثل السود والمسلمين في المجتمعات الغربية.

وعلى المستوى الدولي تعمل هذه الشركات متعددة الجنسية على ضمان أن تأتي قرارات السياسيين لصالح استغلالها للشعوب الأخرى، وذلك من خلال تثبيت نظرة الاستعلاء العرقي والثقافي لدى شعوب الغرب، وتهيئة العقل الأوروبي والأمريكي لتقبل أي عمل عدواني على شعوب الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا.(10)

3- الفلسفة الإعلامية الغربية:

وفي هذا الإطار تأتي القيم الخبرية، وهي المعايير التي تطورت في الغرب، والتي تعتمد عليها وسائل الإعلام في انتقاء ونشرا لأخبار، وقد اعتمد الكثير من الباحثين على هذه القيم في تفسير ظاهرة التحيز، حيث يقول جولدنج واليوت: "إن المفهوم الذي نشأ وتطور في وسائل الإعلام الغربية للقيم الخبرية قد جعل التركيز ينصب أساساً على النخبة فيما يتعلق بالأخبار الداخلية، كما جعل معظم الأخبار الخارجية تدور حول الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية التي تشكّل النخبة من الناحية الدولية".(11)

هذا بالإضافة إلى تركيز وسائل الإعلام على الأخبار السلبية، خاصة فيما يتعلق بدول الجنوب. كما أن هذه القيم الخبرية مسؤولة إلى حد كبير عن ظاهرة تشابه الأخبار وتنميطها على مستوى العالم، والتركيز على المصادر الرسمية، والميل إلى إضفاء الشرعية على النظام القائم.



ولاشك أن منظومة القيم الخبرية الغربية مسؤولة إلى حد كبير عن تزايد ظاهرة التحيز، ولكن لا يمكن الاكتفاء بها في تفسير الظاهرة، كما فعل بعض الباحثين، كما أن هذه القيم الخبرية لابد من النظر إليها على أنها إنتاج رأسمالي غربي، ومن ثم فإنها تشكّل جزءاً من نظام متكامل كان لابد أن يؤدي إلى تحيز وسائل الإعلام.

4- إن السلطات الغربية تلعب دوراً واضحاً في تشكيل ظاهرة التحيز:

فبالرغم من كل ما يتردد حول حرية وسائل الإعلام في الدول الغربية، إلا أن هناك الكثير من الدراسات التي أوضحت أن ملكية الشركات متعددة الجنسيات لوسائل الإعلام في الدول الغربية قد أدت إلى التقليل من استقلالية هذه الوسائل عن السلطات، وأن علاقات المصالح المتبادلة بين هذه الشركات والسلطات قد أدت إلى بناء استراتيجيات لتغطية وسائل الإعلام للكثير من الأحداث بما يحقق الأهداف المشتركة، ولاشك أن تغطية وسائل الإعلام لحرب الخليج توضح ذلك.

5- الثقافة السائدة:

هناك الكثير من العوامل الثقافية التي لعبت دوراً مهماً في تشكيل ظاهرة التحيز الغربي بشكل عام ضد الشعوب الأخرى، كما أسهمت في تشكيل ظاهرة الاستعلاء العرقي والثقافي الغربي، كما قدمت الثقافة الغربية مبررات لعمليات الاستعمار، التي تمارسها الدول الغربية ضد الشعوب الفقيرة، ولاشك أن مجمل الثقافة الغربية لا تأتي في صالح الشعوب الضعيفة أو القوى الضعيفة في المجتمعات الغربية مثل العمال والسود.. وغيرهم.

ثانياً – العوامل التي تشكّل ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص

إن العوامل السابقة تشكّل ظاهرة التحيز بشكل عام في وسائل الإعلام الغربية، ولكن مع ذلك فإن هناك عوامل أخرى تشكّل ظاهرة التحيز ضد الإسلام والمسلمين بشكل خاص هي:

1- الخبرة التاريخية:

إن حالة الاشتباك بين الغرب والإسلام لم تتوقف منذ الحروب الصليبية حتى الآن، وقد شهدت هذه الحالة لحظات انتصار وهزائم مريرة لكلا الجانبين، وقد أنتجت هذه الحالة مخزوناً تاريخياً يصعب تجاوزه، ولابد من التسليم بأنه سيظل ينتج تناقضات حادة، وحالة عداء مستمر بين الغرب والمسلمين، فلاشك أن هناك الكثير من الدماء قد سالت.. ثم إن الغرب يدرك بشكل – ربما أكثر من المسلمين أنفسهم – مصادر القوة في الإسلام، وأن الإسلام قد صنع وحدة الأمة الأولى ونهضتها، وأقام حضارة شامخة، وأنه قادر على أن يصنع وحدة الأمة مرة أخرى، وأن يقود خطاها إلى صنع مرحلة تاريخية جديدة من الحضارة والتقدم.

إننا نظلم الإسلام إذا لم نعترف بأن هناك تناقضات كبيرة بينه وبين مجمل الثقافة والحضارة الغربية، وأن هذه التناقضات لا يمكن التوفيق بينها أو التوصل إلى حلول وسط بشأنها، فالإسلام يقدّم بناءً شاملاً للحياة والثقافة والحضارة، وهو يمثل المشروع البديل الوحيد للحضارة الغربية.. والقضية ليست قضية منجزات مادية أو تقنية، أو تقدم مادي، فهذا كله مع أهميته إلا أنه يمكن تحقيقه وفي فترات قصيرة نسبياً، لكن القضية هي قضية عقيدة وثقافة بالأساس، وهي قضايا أكثر أهمية من كل أشكال التقدم المادي.

يضاف إلى ذلك أن الإسلام يمكن أن يكون – وسوف يكون – هو القائد الحقيقي لحركة كفاح الشعوب المستضعفة ضد أشكال الهيمنة والسيطرة والتفوق الغربي، واستغلال الشعوب الضعيفة.

ثم إن المسلمين يمتلكون الكثير من مصادر القوة أهمها: البشر الذين تجاوز عددهم المليار نسمة، ويتزايد عددهم بشكل مستمر، وهم يشكّلون قوة ضخمة إذا تم تعبئتها وتوحيدها، وأن حدوث ذلك أمر ممكن مهما تصوّر المنهزمون استحالته، يضاف إلى ذلك مصادر البترول والكثير من الثروات الطبيعية، والمساحات الشاسعة من الأراضي.

وقبل ذلك وبعده عقيدة يمكن أن تشكّل الأساس لعملية التوحيد، وكتاب سماوي هو كما نزل من السماء لم يستطع أحد – ولن يستطيع – أن ينقص منه حرفاً أو يزيد عليه حرفاً، وهو يشكّل الثوابت التي تقوم عليها الثقافة والحضارة والموقف من الحياة والكون.

إذن لابد أن نسلم بأن الغرب لابد أن يخاف، وأن ينعكس ذلك في وسائل الإعلام الغربية، فتعمل على زيادة مشاعر الخوف، وعلى أية حال فذلك اتجاه إيجابي، فالخوف بالتأكيد أفضل كثيراً من الاحتقار.

2- الخبرة المعاصرة:

إن وسائل الإعلام الغربية تعتمد في كثيرٍ من الأحيان على أحداث حقيقية لا يمكن إنكارها، وهذه الوسائل تبالغ بالتأكيد في تضخيم هذه الأحداث، ولكننا لابد أن نتحلى بالشجاعة في نقد أنفسنا، ليس بهدف جلد الذات وتعذيب النفس، ولن بهدف التقويم والإصلاح.

علينا أن نعترف أن جزءاً كبيراً من المسؤولية في تشويه صورة المسلمين يقع عليهم هم أنفسهم، فالأمة بشكل عام تعيش حالة هزيمة مروّعة، وتخلف شديد، ولم تستطع حتى الآن أن تستثمر ما بيدها من عناصر القوة.. وأخطر من ذلك، فإن الكثير من النخب تعيش حالة انبهار مرضى بالغرب، كما تحدث الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

ومن المؤكّد أن الغرب لا يعجب إلا بالنجاح والقوة، والقوة مهما بدت مخيفة بالنسبة له إلا أنه لا يستطيع احتقارها، ومن هنا فإنه من المؤكّد أن الطريق الصحيح لمقاومة تحيز الغرب ووسائل إعلامه ضد الأمة الإسلامية، وتصحيح الصورة النمطية المشوّهة هو إقامة مشروع حضاري جديد تستعيد في ظله الأمة عافيتها وقوتها ووحدتها وقدرتها على تحقيق النهضة والتقدم، وفي إطار هذا المشروع يتم إقامة صناعة إسلامية قوية للإعلام والمعلومات تواجه الصورة المشوّهة داخل الأمة قبل أن تواجهها في الخارج.

لم يكن الهدف إذا مما عرضت في هذه الدراسة هو زيادة ما نعانيه من أحزان أو الاستسلام للهزيمة، ولكن الهدف هو رصد الواقع، تمهيداً للتفكير في المستقبل والتخطيط الاستراتيجي لتصحيح الصورة السلبية ومواجهتها، وتحقيق الانتصار الإعلامي.

إن الصورة مهما كانت سلبية يمكن تصحيحها، وتحويلها إلى صورة إيجابية، ولقد نجح اليهود في ذلك، والتجربة يمكن أن تتكرر باستغلال كل ما في العصر من منجزات تقنية في مجال الإعلام والمعلومات.

الخـاتـمـة


أوضحت هذه الدراسة تطور ظاهرة التحيز في وسائل الإعلام الغربية، وأن المسلمين ضحية لهذه الظاهرة، حيث أدت إلى تشكيل صورة نمطية سلبية للمسلمين، كما أن هذه الوسائل قد شكّلت صورة إيجابية للذات الغربية بشكل يكرّس الشعور بالتفوق والاستعلاء العرقي.

أما التطور الذي شهدته التسعينيات فهو زيادة التركيز على تقديم الإسلام والمسلمين كعدو، وأنه يمثّل خطراً يهدد الحضارة الغربية، وأن خطاب وسائل الإعلام الغربية في التسعينيات قد شهد الجمع بين الخطاب الديني، الذي استخدم خلال الحروب الصليبية، والخطاب العلماني الذي استخدم خلال الموجة الاستعمارية الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

كما قدّمت هذه الدراسة محاولة لتفسير ظاهرة التحيز بشكل عام، ثم التحيز ضد المسلمين بشكل خاص.

ولاشك أن هذه الصورة النمطية السلبية التي يقدمها النظام الإعلامي الدولي، الذي تسيطر عليه الدول الغربية تمثل إحدى أخطر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في العصر الحديث، وأن هذا التحدي يفرض على الدول الإسلامية ضرورة العمل لرسم استراتيجية لمواجهة هذه الصورة وتصحيحها.

لكن قبل العمل على تصحيح الصورة في العالم الغربي، فإنه لابد من مواجهة تأثير الصورة على الإنسان المسلم ذاته، فهذه الآثار قد تكون أخطر بكثير من تأثير الصورة على المستوى العالمي، وهذه المواجهة لابد أن تقوم على رسم صورة للذات تعيد للإنسان المسلم الثقة في ذاته، والاعتزاز بحضارته وثقافته، وزيادة ولائه للأمة وانتمائه لها.

وعلى المستوى العالمي، فإنه على الرغم من الاعتراف بصعوبة تصحيح الصورة، إلا أنه مع ذلك فإن عملية التصحيح ليست مستحيلة، بل إن هناك إمكانية كبيرة لتحقيق ذلك على المدى الطويل، لكن ذلك يعتمد على استراتيجية طويلة المدى، يمكن أن نحدد أهم ملامحها فيما يلي:

1- العمل على إقامة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي تستعيد في ظله الأمة الإسلامية وحدتها وقوتها ونهضتها، وهذا المشروع لابد أن يهدف إلى تحقيق التقدم على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، وتقديم هذا المشروع إلى العالم كأداة لتحرير كل المستضعفين من السيطرة والاستغلال الغربي، في ظل هذا المشروع يمكن أن تكون الأمة الإسلامية في المستقبل مساهماً في صنع الحضارة الإنسانية، وفاعلاً أصيلاً في السياسات العالمية، وهذا المشروع بالتأكيد هو أهم التحديات التي يجب أن يشارك في مواجهتها كل مفكري الأمة ومثقفيها.

2- في إطار هذا المشروع لابد من العمل على إقامة صناعة إسلامية للإعلام والمعلومات، ومن المؤكّد أن هناك إمكانيات كبيرة لإقامة هذه الصناعة حتى مع الوعي بسيطرة الغرب على النظام الإعلامي الدولي، وهذه الصناعة الإسلامية القوية هي التي يمكن أن تكسر السيطرة الغربية على تدفق الأنباء في العالم، وهذه الصناعة الإسلامية للإعلام والمعلومات لابد أن تقوم أولاً على إعداد الكوادر الإعلامية المؤهلة علمياً وثقافياً ومهنياً على إنتاج مضمون بديل لما يقدمه الإعلام الغربي، فالمضمون هو أهم أركان هذه الصناعة، ثم تأتي البنى الإعلامية، ومن المؤكّد أن هناك إمكانية لتقوية البنى الإعلامية الموجودة في الدول الإسلامية، وزيادة فاعليتها لتصبح مصدراً مهماً للثقافة والإعلام والمعلومات، ثم تأتي إمكانية إنشاء بنى جديدة تزيد من فعالية الصناعة الإعلامية الإسلامية.. وفي إطار ذلك فإنه يمكن البدء بالمشروعات التالية:

أ- العمل على إنشاء وكالة أنباء إسلامية قوية تكون بعيدة عن سيطرة الحكومات حتى يمكن أن يتحقق لها قدر أكبر من المصداقية والثقة فيما تبثه من أنباء.

ب- العمل على زيادة التعاون بين وكالات الأنباء في الدول الإسلامية، عن طريق تبادل الأنباء والمعلومات، وتسهيل الحصول عليها.

جـ- زيادة التعاون بين الدول الإسلامية في مجال تبادل المنتجات الثقافية والإعلامية، والتقليل من الاعتماد على المنتجات الإعلامية الغربية.

3- إنشاء رابطة لعلماء الإعلام المسلمين، تعمل على تفعيل دور الباحثين الإعلاميين الإسلاميين في دراسة واقع الإعلام في الدول الإسلامية، وذلك بالمقارنة بواقع الإعلام في الدول الغربية، وذلك لإنتاج نظريات جديدة مستقلة تقوم عليها الصناعة الإسلامية للإعلام والمعلومات، وتحرر هذه الصناعة من التبعية الفكرية للغرب، بالإضافة إلى العمل على تطوير الدراسات الإعلامية في الدول الإسلامية وإنشاء كلية للإعلام الإسلامي.

4- العمل على إنشاء رابطة للإعلاميين الإسلاميين كتنظيم مهني، يهدف إلى زيادة القدرات الإعلامية للإعلاميين الإسلاميين عن طريق التدريب، كما تعمل هذه الربطة كتنظيم مهني يصدر ميثاق شرف للإعلاميين الإسلاميين، ويتابع تنفيذه، بالإضافة إلى العمل على حماية حقوق الإعلاميين الإسلاميين.

5- العمل على زيادة القدرات الإعلامية للمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في مجال الاتصال المواجهي (المباشر)، وهذا النوع من الاتصال له تأثير أكبر من الاتصال الجماهيري، ولذلك لا بد من العمل على تأهيل أكبر عدد ممكن من المسلمين المقيمين في الدول الغربية ليكونوا قادت رأي ينقلون رسائل صحيحة عن الإسلام إلى المواطنين الغربيين عن طريق الاتصال المباشر.

كما يمكن تدريب المسلمين المقيمين في الغرب على كتابة خطابات إلى أية صحيفة أ وسيلة إعلامية تهاجم الإسلام، فقد أشار الكثير من الصحفيين الغربيين إلى أنهم يتلقون الكثير من الخطابات من اليهود في حالة كتابة أية معلومات يمكن أن تمس إسرائيل بشكل أو بآخر، كما يمكن الاستفادة من الإمكانيات المتاحة في الغرب لإصدار صحف وإنشاء محطات تلفزيونية كابلية Cable T.V، بالإضافة إلى زيادة قدراتهم على استخدام الشبكة الدولية للمعلومات Internet لبث رسائل عن الإسلام، وإنشاء مواقع على هذه الشبكة تهدف إلى تقديم المعلومات الصحيحة عن الإسلام، وإصدار صحف إسلامية.

6- إنشاء قمر صناعي إسلامي يحمل مجموعة من القنوات التلفزيونية الإسلامية المتخصصة، ويحمل قنوات تبث برامج جامعة إسلامية عالمية مفتوحة توفر المعرفة الصحيحة عن الإسلام لكل من يرغب في دراسته.

وبعد فإن إقامة صناعة إسلامية للإعلام والمعلومات هو مشروع كبير ويحتاج إلى الكثير من الإمكانيات المادية والبشرية لكن إقامة هذه الصناعة هي عملية دفاع عن هوية الأمة الإسلامية وذاتيتها الثقافية والحضارية وحقها المشروع في الحياة.
avatar
المجتبى
خبورابي جديد

عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 14/10/2009
العمر : 28

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى